البغوي
85
شرح السنة
جعل حكم الزِّيَادَة على الْحَوْلَيْنِ ، إِذا كَانَ يَسِيرا حكم الْحَوْلَيْنِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة : مُدَّة الرَّضَاع ثَلَاثُونَ شهرا ، لقَوْله عز وَجل : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا } [ الْأَحْقَاف : 15 ] ، وَهُوَ عِنْد الْأَكْثَرين لأَقل مُدَّة الْحمل ، وَأكْثر مُدَّة الرَّضَاع ، والفصال : الْفِطَام ، وَمِنْه قَوْله عز وَجل : { فَإِنْ أَرَادَا فِصَالا } [ الْبَقَرَة : 233 ] أَي : فطامًا . وَقَالَ بَعضهم : مُدَّة الرَّضَاع ثلاثُ سِنِين ، وَقد رُوي عَنْ عَائِشَة ، أَن أَبَا حُذَيْفَة بْن عتبَة بْن ربيعَة كَانَ تَبنَّى سالِمًا ، وأنكحه بنتَ أَخِيه هِنْد بنت الْوَلِيد بْن عتبَة ، وَهُوَ مَوْلَى لامْرَأَة من الْأَنْصَار ، كَمَا تبنَّى النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زيدا ، وَكَانَ من تبنى رجلا فِي الْجَاهِلِيَّة ، دَعَاهُ النَّاس إِلَيْهِ ، وَورث من مِيرَاثه حَتَّى أنزل اللَّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { ادْعُوهُمْ لآبَائِهِمْ إِلَى قَوْله : فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } [ الْأَحْزَاب : 5 ] ، فَردُّوا إِلَى آبَائِهِم ، فَمن لم يعلم لَهُ أبٌ ، كَانَ مَوْلَى وأخا فِي الدِّين ، فَجَاءَت سهلة بنت سُهيل بْن عَمْرو امْرَأَة أَبِي حُذَيْفَة ، فَقَالَت : يَا رَسُول اللَّه ، إِنَّا كُنَّا نرى سالما ولدا ، فَكَانَ يراني فُضلا ، وَقد أنزل اللَّه فيهم مَا قد عَلِمْتَ ، فَكيف ترى ؟ فَقَالَ لَهَا النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « أَرْضِعِيه خَمْسَ رَضَعَاتٍ تَحْرُمِي عَلَيْه » . فَأخذت بذلك عَائِشَة فِيمَن كَانَت تحب أَن يدْخل عَلَيْهَا من الرِّجَال ، فَكَانَت تَأمر أُخْتهَا أمَّ كُلْثُوم ، وَبَنَات أَخِيهَا أَن يُرضعن من أحبت أَن يدخلَ عَلَيْهَا من الرِّجَال خمس رَضعَات ، وأبى سَائِر أَزوَاج النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يدْخل عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرضَاعَة أحد من النَّاس ، وقلن : مَا نرى الَّذِي أَمر بِهِ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سهلة إِلا رخصَة فِي سَالم وَحده ، لَا يدْخل علينا بِهَذِهِ الرضَاعَة أحد .